الشيخ السبحاني

297

تذكرة الأعيان

يقول في حقّ نفسه : وإنّي لَاستغفر اللّه كثيراً ممّا ضيّعت شطراً من عمري في تتبّع آراء المتفلسفة والمجادلين من أهل الكلام وتدقيقاتهم وتعلّم جربزتهم في القول وتفنّنهم في البحث ، حتى تبيّن لي آخر الأَمر بنور الايمان وتأييد اللّه المنّان أنّ قياسهم عقيم وصراطهم غير مستقيم « 1 » . يقول في معرض كلامه عن المرحلة الثانية بعد الشكوى من طائفة كانت تضمر له العداء يقول : فالجاني خمود الفطنة وجمود الطبيعة ، لمعاداة الزمان وعدم مساعدة الدوران ، إلى أن انزويت في بعض نواحي الديار واستترت بالخمول والانكسار منقطع الآمال ، متوفّراً على فرضٍ أُوَدّية ، وتفريطٍ في جنب اللّه أسعى في تلافيه ، لا على درس أُلقيه ، أو تأليف أتصرّف فيه إذ التصرّف في العلوم والصناعات وإفادة المباحث ودفع المعضلات ، وتبيين المقاصد ورفع المشكلات ممّا يحتاج إلى تصفية الفكر ، وتهذيب الخيال عمّا يوجب الملال والاختلال ، واستقامة الأَوضاع والأَحوال مع فراغ البال ، ومن أين يحصل للإِنسان مع هذه المكاره التي يسمع ويرى من أهل الزمان ويشاهد ممّا يكبّ عليه الناس في هذا الأَوان « 2 » . وفي معرض كلامه عن المرحلة الثالثة يقول : فلمّا بقيت على هذا الحال من الاستتار والانزواء والخمول والاعتزال ، زماناً مديداً وأمداً بعيداً ، اشتعلت نفسي لطول المجاهدات اشتعالًا نورياً ، والتهب قلبي بكثرة الرياضات التهاباً قوياً ففاضت عليها أنوار الملكوت ، وحلّت بها خبايا الجبروت ، ولحقتها الإضواء الأحدية ، وتداركتها الأَلطاف الإِلهية فاطّلعت على أسرار لم أكن أطّلع عليها إلى الآن ، وانكشفت لي رموز لم تكن منكشفة هذا الانكشاف من البرهان إلى أن قال : فبلغ الكتاب أجله وأراد اللّه تقديمه وقد كان أجَّله فأظهره في الوقت الذي

--> ( 1 ) الاسفار ، المقدمة : 1 - 11 . ( 2 ) الاسفار ، المقدمة : 1 - 6 .